أبي طالب المكي

46

علم القلوب

باب الفرق بين الحكمة والعلم والحكيم والعليم قوله جل ثناؤه في وصف يحيى بن زكريا : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ مريم : 12 ] ، قيل في تفسير الآية : أعطى اللّه تعالى الحكمة ليحيى ، وأعطى العلم اللدني للخضر ، فقال : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . قال موسى للخضر « 1 » ، عليهما السلام : بم أطلعك اللّه على سرائر العباد ؟ قال : بتركى المعاصي . وأعطى العلم المزيدى لنبينا ، عليه السلام ، فقال : رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وأعطى علم الأسماء والحروف لآدم ، عليه السلام ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] . قال الضحاك بن مزاحم : أقعده على كرسي الكرامة ، وتوجه بتاج الفخر ، وختمه بخاتم العز ، وسوره بسوار الأنس والبهاء ، وزينه بزينة أهل الجنان ، وعلمه اسم كل شئ من الأولين والآخرين ، وما يكون إلى آخر الدهر بلغة أهل السماء والأرض ، وكان آدم ، عليه السلام ، يتكلم بسبعمائة ألف لغة « 2 » أفضلها العربية ، لغة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فذلك قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] ، وأعطى العلم الرباني لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم كلها ، فقال : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [ آل عمران : 79 ] . قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : والرباني من العلماء هو الذي يعلم ويعمل بما يعلم ، ويعلم الناس الخير ، فإذا كان كذلك ، سمى في ملكوت السماء عظيما . كذلك روى عن عيسى ، عليه السلام : والربانيون فوق الأحبار بدرجة ، والأحبار فوق الرهبان بدرجة ، والربانيون علماء القلوب ، والأحبار علماء الألسن . وقال إبراهيم الخواص : الحكيم يتجر برأس مال نفسه ، والعالم يتجر برأس مال غيره ، ومن أتجر برأس مال غيره فما أقرب إفلاسه .

--> ( 1 ) في الأصل : الحفر . ( 2 ) ليس المراد العدد .